أذكر أنني وفي يوم من الأيام قبل سنوات عدة، رجعت إلى البيت منهكا مدمرا ككل طالب لا يدري ما يدرس، ولم يدرس، وماذا سيستفيد مما درس، كنا نعرف أننا وبكل بساطة يجب ان ندرس وندرس وندرس. فتحت أمي الكتاب، قرأته وفهمته، كانت تستعد لتلقيني اياه،كما تتطلب الإمتحانات، فالمدرسة لم تنجح ولن تنجح يوما ما في تفهيمي ما كنت أدرس، كنت في الصف الثاني الإبتدائي، وأذكر أنه كان في الكتاب شيء يسمى مؤسسة ومصنع ورأس مال وعوامل البيئة وبرلمان واربعين عينا وكذا نائبا، في ذالك الوقت لم أدر ما هي هذه الأشياء، مع أنّ التعريف الذي كان موجودا هناك شرح كل هذه المصطلحات شرحا دقيقا، ولكني وبحكم أنني ما زلت طفلا وما زال عقلي صغيرا لم أفهمها إطلاقا. بُهدلت وشُرشحتُ حتى حفظتها عن ظهر قلب، وكان السبب وراء ذالك بسيطا جدا وهو أنني يجب أن أدرس!

ذهبت إلى الإمتحان، كتبت الجمل التي حفظتها، دققت في الحروف ودققت ودققت حتى تأكدت من أن كل الحروف هي كالتي في الكتاب تماماً، لا تزيد ولا تنقص،إنتهيت من هذا الهم العظيم، رجعت إلى البيت وفي رأسي دماغ لم يستفد من هذه التجربة قط ! كل ما حدث هو أنه حفظ لفترة ونسي، وكأنهم كانوا يريدون إختبار مدى قدرة أدمغتنا على الحفظ.، حفظ ما هو غير ضروري.

أما الآن وبعد أن كبرت وسافرت خارج تلك البلد التي يعتمدون فيها على الحفظ والحفظ ثم الحفظ، ذهبت إلى مدرسة لا تعتمد أبدا إلا على التفهيم والتفهيم ومن ثم يأتي الحفظ من تلقاء نفسه. فهنا وفي هذه المدرسة ذات المنهج البريطاني التي يديرها ويدرس فيها أجانب وأغراب، لا يهتمون بإجبار الطالب على الحفظ بقدر ما يهتمون بتفهيمه ما في الكتاب خطوة فخطوة.حتى أسئلة الامتحانات تختلف، هناك كنا دائماً نواجه متى? وأين وكيف? أما هنا فأكثر ما نواجهه هو اشرح لماذا?وما الهدف من? كنا هناك نواجه جملا نحفظها، اما هنا فنواجه جملا وفقرات نفهمها.

هم قد علموا أن الاهم هو تدريس الطالب ما يستطيع عقله استيعابه، فمن أراد ان يدرس الإنسانيات درس المصنع ورأس المال والبرلمان والنواب، وأهداف تلك المواد بيسر وبعد أن يكون جاهزا لذالك، لا أن يدرسها في الصف الثاني والثالث الابتدائي.

لطالما تسائلت لماذا كان يجب أن أحفظ ما لم أفهمه في مناهج الدول العربية؟ ولكنني لم أجد جوابا؟