وسط جوّ مشحون بمشاعر التوتر والاضطراب، دخل أستاذ التاريخ قاعة الصف مُلوحاً بحقيبته الجلدية المهترأة في يده اليمنى، وفي اليسرى رزمة أوراق.

مضت معظم دقائق الدرس والجميع في صمت مطبق، وهمّ الأستاذ بتنبيه الطلاب أنه لم يبق للإمتحان إلاّ 7 دقائق، ومرةً أخرى عاد التوتر وأصوات جلبة شديدة خرجت من أفواه الطلاب والأوراق لا تستقر في يد أي طالب فالكل منهمك بوضع اللمسات الأخيرة علّه يقدم الأفضل وأما أنا فكنت قد فرغت من الكتابة وليس لديّ إلاّ المراجعة خشية أن أكون قد أخطأت.

السؤال الأول، فالثاني فالثالث وكله على ما يرام، وشرعت أقرأ بإجابتي على السؤال الرابع القائل: " عرّف ثورة البراق" وكانت أجابتي كالتالي:

تجددت الاضطرابات بين العرب واليهود وكانت شرارتها الخلاف حول حائط البراق ( حائط المبكى عند اليهود ) ، عندما أحضر اليهود مقاعد ومعدات دينية إلى منطقة الحائط فاعترض المسلمون وقاموا بمظاهرة هناك، فجرت اضطرابات بين العرب واليهود استمرت اسبوعاً امتدت من القدس إلى الخليل، صفد ويافا، ولم يتوقف إلاّ بتدخل الشرطة البريطانية وقتل أكثر من 200 يهودي وعربي وجرح العديد من الطرفين، عندها كلّفت الحكومة البريطانية لجنة تحقيق برئاسة "والترشو " مهمتها فحص العوامل التي أدّت الى حدوث أحداث البراق، قدمت اللجنة تقريرها سنة 1920، وذكر التقرير أن السبب المباشر للحوادث هو خوف العرب من سيطرة اليهود على الأراضي والمرافق الاقتصادية وازدياد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

لحظة، هُناك شيء ليس على ما يُرام ! ماذا كتبت أنا؟ السبب المباشر الذي جعل العرب يهبوا لثورة البراق هو عوامل اقتصادية ومصادرة أراضي فقط ؟! ولماذا إسمهم عرباً فقط وليسوا مسلمين؟ أدركت في حينها أنني خُدعت  !

هي الخديعة التي جعلتني أغفل عنها وانا منهمكة قبل الامتحان بالدراسة وإدخال المادة الى رأسي وحفظها، تكررت وانا منهمكة في كتابة الاجابة على دفتر الامتحان أسابق الوقت حتى لا ينتصر عليّ .

ولكنها لم تتكرر أكثر من ذلك، فيبدو أنني كنت بكامل وعيي وأنا أراجع الإجابة حتى أدركت الطامّة التي وقعت فوق رأسي، وأدركت غفلة كل مسؤول عربي في وزارة المعارف الاسرائيلية وغفلة العرب جميعاً عن "تقرير والترشو " وغفلة المعلم ألذي لم ينبهنا إلى أن ما ندرسه خاطئ وما علينا سوى أن نكتبه حتى ننجح ونحن نعلم أنه خاطئ ولكن يبدو أن المعلم في غفلة كباقي من سبقه جميعهم في غفلة يعمهون ّ!

تُرى هل وعي الأمر طالب آخر في الصف لما كتب بيده ولِما أقرّه من شرعية تقرير والترشو ومن شرعية تهمة العرب والمسلمين أنهم ما غضبوا لحادثة البراق إلاّ لأنهم خافوا على أموالهم وأراضيهم، وهمّش في ذلك كل شهيد ارتقى في الثورة وكل جريح نزف وكل مجاهد جاهد من أجل أن القضية قضية دينية بحتة نبعت من صلب العقيدة لا من صلب الماديّة التي لهث ورائها الكثيرين !

هل وعي طالب آخر في الصف وكل طالب يدرس منهاج التاريخ الذي أعدته وزارة المعارف لكل طلاب المدارس العربية في إسرائيل أنه من المفترض أن يدرس تاريخ " ثورة البراق" ليعلم أن أهل فلسطين لم يسكتوا على الاعتداءات التي قامت بها العصابات الصهيونية في الهجرة الاولى والثانية وأنهم لم يغفلوا عن من يدنس مقدساتهم ويدنس حائط البراق الذي حط فيه براق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج ولكنه وللأسف يدرس احداث هذه الثورة لترسخ فيه فكرة ان العرب"ماديين" وأن كلمة العرب جاءت لتنفي الهوية الاسلامية التي كان وما زال عليها معظم أهل فلسطين من العرب. وأنّ العرب لم يهمهم أمر حائط البراق لأنه معلم مهم بل لأن بسببه من المحتمل أن يخسروا مصدر رزقهم !

ومع أني أجبت على جميع أسئلة إمتحان التاريخ وسؤال تعريف ثورة البراق بطلاقة دون أن انسى شيئاً، إلاّ أنني لا أدري اجابة على السؤال "من وعي للخديعة"  ؟؟


طالبة في الصف الحادي عشر
مدرسة حكومية في الأراضي المحتلة